السيد كمال الحيدري

326

دروس في التوحيد

من البعض ، ولا يتمّ تميّز إلّا باشتمال كلّ واحد من آحاد الكثرة على جهة ذاتية يفقدها الواحد الآخر فيغاير بذلك الآخر ويتمايزان ، كلّ ذلك بالضرورة . فلو كان أرباب متفرّقون سواء اجتمعوا على فعل واحد أو كان لكلّ جهة من جهات النظام العالمي العامّ ربّ مستقلّ في ربوبيّته كربّ السماء والأرض وربّ الإنسان وغير ذلك ، أدّى ذلك إلى فساد النظام والتدافع بين أجزائه " « 1 » . هذا بالنسبة للتحليل العقلي . أمّا من جهة القرآن الكريم نفسه ، فقد بيّن ذلك على نحو استدلاليّ واضح ، كما في الآية الكريمة : مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِله بِمَا خَلَقَ ( المؤمنون : 91 ) . فلو كان مع الله آلهة أخرى تشترك معه في الربوبية والتدبير ، لانصرف كلّ إله إلى الذي خلقه لتدبيره ، فينعزل هذا الجزء من العالم عن ذاك وهكذا . فقوله : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ " حجّة على نفي التعدّد ببيان محذوره ؛ إذ لا يتصوّر تعدّد الآلهة إلّا ببينونتها بوجه من الوجوه بحيث لا تتّحد في معنى ألوهيتها وربوبيّتها ، ومعنى ربوبيّة الإله في شطر من الكون ونوع من أنواعه تفويض التدبير فيه إليه ، بحيث يستقلّ في أمره من غير أن يحتاج فيه إلى شيء غير نفسه حتّى إلى من فوّض إليه الأمر . ومن البيّن أيضاً أنّ المتباينين لا يترشّح منهما إلّا أمران متباينان . ولازم ذلك أن يستقلّ كلّ من الآلهة بما يرجع إليه من نوع التدبير وتنقطع رابطة الاتحاد والاتصال بين أنواع التدابير الجارية في العالم ، كالنظام الجاري في العالم الإنساني عن الأنظمة الجارية في أنواع الحيوان والنبات والبرّ والبحر والسهل والجبل والأرض والسماء وغيرها ، وكلّ منها عن كلّ منها ، وفيه فساد السماوات والأرض وما فيهنّ " « 2 » .

--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، ص 281 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 15 ، ص 62 .